الخطيب الشربيني
397
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
تنبيه : يجوز في قوله تعالى : بِالْحَقِّ أوجه : أحدها : أنه حال من الفاعل أي : أرسلناك محقين ، أو من المفعول أي : محقا ، أو نعت لمصدر محذوف أي : إرسالا متلبسا بالحق ويجوز أن يكون صلة لقوله تعالى بَشِيراً أي : لمن أطاع وَنَذِيراً أي : لمن عصى وَإِنْ أي : وما مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا أي : سلف فِيها نَذِيرٌ أي : نبي ينذرها . تنبيه : الأمة : الجماعة الكثيرة قال تعالى وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ [ القصص : 23 ] ويقال لكل أهل عصر أمة ، والمراد ههنا أهل العصر ، فإن قيل : كم من أمة في الفترة بين عيسى ومحمد صلّى اللّه عليه وسلم لم يخل فيها نذير ، أجيب : بأن آثار النذارة إذا كانت باقية لم تخل من نذير إلى أن تندرس وحين اندرست آثار نذارة عيسى عليه السّلام بعث الله تعالى محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن قيل : كيف اكتفى بذكر النذير عن البشير في آخر الآية بعد ذكرهما ؟ أجيب : بأنه لما كانت النذارة مشفوعة من البشارة لا محالة دلّ ذكرها على ذكرها ، لا سيما وقد اشتملت الآية على ذكرهما ، أو لأن الإنذار هو المقصود والأهم من البعثة . وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ أي : أهل مكة فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي : ما أتتهم به رسلهم عن الله تعالى جاءَتْهُمْ أي : الأمم الخالية رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي : الآيات الواضحات والدلالة على صحة الرسالة من المعجزات وغيرها وَبِالزُّبُرِ أي : الأمور المكتوبة كصحف إبراهيم عليه السّلام وَبِالْكِتابِ أي : جنس الكتاب كالتوراة والإنجيل الْمُنِيرِ أي : الواضح في نفسه الموضح لطريق الخير والشر ، كما أنك أتيت قومك بمثل ذلك وإن كانت طريقتك أوضح وأظهر ، وكتابك أنور وأبهر وأظهر وأشهر ، وفي هذا تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلم حيث علم أن غيره كان مثله في تكذيبه وكان محتملا لأذى القوم . تنبيه : لما كانت هذه الأشياء في جنسهم أسند المجيء بها إليهم إسنادا مطلقا وإن كان بعضها في جميعهم وهي البينات وبعضها في بعضهم وهي الزبر والكتاب . ولما سلاه الله تعالى هدد من خالفه وعصاه بما فعل في تلك الأمم الماضية بقوله تعالى : ثُمَّ أَخَذْتُ أي : بأنواع الأخذ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : ستروا تلك الآيات المنيرة بعد طول صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام عليهم ودعائهم لهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أي : إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك أي : هو واقع موقعه . تنبيه : أثبت ورش الياء بعد الراء في الوصل دون الوقف ، والباقون بغير ياء وقفا ووصلا . ولما ذكر تعالى الدلائل ولم ينتفعوا قطع الكلام معهم والتفت إلى غيرهم بقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أي : تعلم أي : أيها المخاطب أَنَّ اللَّهَ أي : الذي له جميع صفات الكمال أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً كما أن السيد إذا نصح بعض عبيده ولم ينزجر يقول لغيره : اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر ما ذكره للأول ، ويكون فيه إشعار بأن الأول فيه نقيصة لا يصلح للخطاب فيتنبه له ويدفع عن نفسه تلك النقيصة ، وأيضا فلا يخرج إلى كلام أجنبي عن الأول بل يأتي بما يقاربه ؛ لئلا يسمع الأول كلام الآخر فيترك التفكر فيما كان وقوله تعالى فَأَخْرَجْنا أي : بما لنا من القدرة والعظمة بِهِ أي : بالماء ثَمَراتٍ أي : متعددة الأنواع ، فيه التفات من الغيبة إلى التكلم وإنما كان ذلك ؛ لأن المنة بالإخراج أبلغ من إنزال الماء وقوله تعالى : مُخْتَلِفاً نعت لثمرات وقوله تعالى : أَلْوانُها فاعل به ، ولولا ذلك لأنث مختلفا ، ولكنه لما أسند إلى جمع تكسير غير عاقل